[ الأضراس المسوسة ]
.
كان في فمي ضرس مسوس , وكان يحتال علي
تعذيبي فيسكن متربصا ساعات النهار ويستيقظ
مظطربا في هدوء الليل عندما يكون أطباء الاسنان
نائمين والصيدلية مقفلة ..
.
ففي يوم وقد نفد صبري ذهبت الى احد الأطباء
وقلت له : الا فانزعه " ضرسا خبيثا "
يحرمني لذة الرقاد ويحول سكينة ليالي الى
الأنين والضجيج ..
فهز الطبيب رأسه قائلا : من الغباوة أن نستأصل الضرس
إذا كان بإمكاننا تطبيبه ..
ثم أخذ يحفر جوانب الضرس وينظف زواياه
ويتفنن بتطهيره من العلة .
ولما وثق بأنه صار خالياً من السوس
حشا ثقوبه بالذهب الخالص ثم قال مفاخراً :
لقد أصبح ضرسك العليل أشد وأصلب من أضراسك
الصحيحه . فصدقت كلامه وملأت حفنته
بالدنانير وذهبت فرحاً .
.
.
ولكن , لم يمر الاسبوع حتى عاد الضرس
المشؤوم الى تعذيبي وإبدال أنغام روحي
بحشرجة الاحتضار وعويل الهاويه ,,
فذهبت الى طبيب آخر وقلت له بصوت يعانقه الحزم :
ألا فاخلعه ضرساً مذهبا شريراً
ولا تعترض
" فمن يأكل العصي لا كمن يعدها "
فنزع الطبيب الضرس وكانت ساعة هائلة
بأوجاعها ولكنها كانت ساعة مباركة ..
وقد قال لي الطبيب بعد أن استاصل الضرس
وتفحصه جيداً : لقد فعلت حسنا ,
فالعلة قد تحكمت
بأصول ضرسك هذا حتى لم يبق رجاء
بشفائه ..
وقد نمت مرتاحاً في تلك الليله , ولم أزل في راحة
والحمد لله للخلع والاستئصال ..
في فم الجامعة البشرية اضارس مسوسه وقد
نخرتها العلة حتى بلغت عظم الفك ,
غير أن الجامعة البشرية لا تستأصلها لترتاح
من أوجاعها بل تكتفي
بتمريضها
وتنظيف خارجها
وملء ثقوبها بالذهب اللماع ...
.
.
.
لـ جبران خليل جبران
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق